سيد قطب

2071

في ظلال القرآن

ولا ننتهي من هذه الوقفة قبل أن نلم بتلك اللفتة البارزة في قوله تعالى : « وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » . . إن هذا القول إنما يقال للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - الرسول الذي أوحي إليه من ربه . وكلف مخاطبة الناس بهذه العقيدة . . وخلاصة هذا القول : إن أمر هذا الدين ليس إليه هو ، ومآل هذه الدعوة ليس من اختصاصه ! إنما عليه البلاغ وليس عليه هداية الناس . فاللّه وحده هو الذي يملك الهداية . وسواء حقق اللّه بعض وعده له من مصير القوم أو أدركه الأجل قبل تحقيق وعد اللّه ، فهذا أو ذاك لا يغير من طبيعة مهمته . . البلاغ . . وحسابهم بعد ذلك على اللّه . . وليس بعد هذا تجريد لطبيعة الداعية وتحديد لمهمته . فواجبه محدد ، والأمر كله في هذه الدعوة وفي كل شيء آخر للّه . بذلك يتعلم الدعاة إلى اللّه أن يتأدبوا في حق اللّه ! إنه ليس لهم أن يستعجلوا النتائج والمصائر . . ليس لهم أن يستعجلوا هداية الناس ، ولا أن يستعجلوا وعد اللّه ووعيده للمهتدين وللمكذبين . . ليس لهم أن يقولوا : لقد دعونا كثيرا فلم يستجب لنا إلا القليل ؛ أو لقد صبرنا طويلا فلم يأخذ اللّه الظالمين بظلمهم ونحن أحياء ! . . إن عليهم إلا البلاغ . . أما حساب الناس في الدنيا أو في الآخرة فهذا ليس من شأن العبيد . إنما هو من شأن اللّه ! فينبغي - تأدبا في حق اللّه واعترافا بالعبودية له - أن يترك له سبحانه ، يفعل فيه ما يشاء ويختار . . والسورة مكية . . من أجل ذلك تحدد فيها وظيفة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - « بالبلاغ » . . ذلك أن « الجهاد » لم يكن بعد قد كتب . فأما بعد ذلك فقد أمر بالجهاد - بعد البلاغ - وهذا ما تنبغي ملاحظته في الطبيعة الحركية لهذا الدين . فالنصوص فيه نصوص حركية ؛ مواكبة لحركة الدعوة وواقعها ؛ وموجهة كذلك لحركة الدعوة وواقعها . . وهذا ما تغفل عنه كثرة « الباحثين » في هذا الدين في هذا الزمان . وهم يزاولون « البحث » ولا يزاولون « الحركة » فلا يدركون - من ثم - مواقع النصوص القرآنية ، وارتباطها بالواقع الحركي لهذا الدين ! وكثيرون يقرءون مثل هذا النص : « فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ » ثم يأخذون منه أن مهمة الدعاة إلى اللّه تنتهي عند البلاغ . فإذا قاموا « بالتبليغ » فقد أدوا ما عليهم ! . . أما « الجهاد » ! فلا أدري - واللّه - أين مكانه في تصور هؤلاء ! كما أن كثيرين يقرءون مثل هذا النص ، فلا يلغون به الجهاد ، ولكن يقيدونه ! . . دون أن يفطنوا إلى أن هذا نص مكي نزل قبل فرض الجهاد . ودون أن يدركوا طبيعة ارتباط النصوص القرآنية بحركة الدعوة الإسلامية . ذلك أنهم هم لا يزاولون الحركة بهذا الدين ؛ إنما هم يقرءونه في الأوراق وهم قاعدون ! وهذا الدين لا يفقهه القاعدون . فما هو بدين القاعدين ! على أن « البلاغ » يظل هو قاعدة عمل الرسول ، وقاعدة عمل الدعاة بعده إلى هذا الدين . وهذا البلاغ هو أول مراتب الجهاد . فإنه متى صح ، واتجه إلى تبليغ الحقائق الأساسية في هذا الدين قبل الحقائق الفرعية . . أي متى اتجه إلى تقرير الألوهية والربوبية والحاكمية للّه وحده منذ الخطوة الأولى ؛ واتجه إلى تعبيد الناس للّه وحده ، وقصر دينونتهم عليه وخلع الدينونة لغيره . . فإن الجاهلية لا بد أن تواجه الدعاة إلى اللّه ، المبلغين التبليغ الصحيح ، بالإعراض والتحدي ، ثم بالإيذاء والمكافحة . . . ومن ثم تجيء مرحلة الجهاد في حينها ،